المقريزي

99

رسائل المقريزي

منهم من يعبد أجزاء سماوية . ومنهم من يعبد أجزاء أرضية ، ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده أكبر الآلهة ، ومنهم من يزعم أن إلهه من جملة الآلهة . ومنهم من يزعم أنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه أقبل إليه واعتنى به ، ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى الأعلى الفوقاني ، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه حتى تقربه تلك الآلهة إلى الله سبحانه وتعالى ، فتارة تكثر الوسائط ، وتارة تقل . حقيقة الشرك : فإذا عرفت هذه الطوائف وعرفت اشتداد نكير الرسول صلى اللّه عليه وسلّم على من أشرك به تعالى في الأفعال والأقوال والإرادات - كما تقدم ذكره - انفتح لك باب الجواب عن السؤال ، فنقول : اعلم أن حقيقة الشرك تشبيه الخالق بالمخلوق في خصائص الإلهية ، وهي التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع ، فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى وسوى بين التراب ورب الأرباب ، فأي فجور وذنب أعظم من هذا ، واعلم أن من خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه ، وذلك بموجب أن تكون العبادة له وحده عقلا وشرعا وفطرة ، فمن جعل ذلك لغيره فقد شبه الغير بمن لا شبيه له ، ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر من كتب على نفسه أنه لا يغفره أبدا . صرف العبادات إلى غير الله من التشبيه له بخلقه ومن خصائص الإلهية : العبودية التي لا تقوم إلا على ساق الحب والذل ، فمن أعطاهما لغيره فقد شبه بالله سبحانه وتعالى في خالص حقه ، وقبح هذا مستقر في العقول والفكر ، ولكن لما غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق و [ اجتالتهم ] عن دينهم وأمرتهم أن يشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا كما روى ذلك عن الله « 1 » أعرف الخلق به وبخلقه ، عموا عن قبح الشرك حتى ظنوه حسنا . ومن خصائص الإلهية : السجود ، فمن سجد لغيره فقد شبه به . ومنها : التوكل ، فمن توكل على غيره فقد شبهه به . ومنها : التوبة ، فمن تاب لغيره فقد

--> ( 1 ) يقصد حديث عياض بن حمار عن النبي صلى اللّه عليه وسلّم عن ربّ العزة وفيه « وإنّى خلقت عبادي حنفاء كلّهم ، وإنهم أتتهم الشياطين ، فاجتالتهم عن دينهم ، وحرمت عليهم ما أحللت لهم ، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا » رواه مسلم ك : الجنة ب / 16 ( 2865 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 9 / 20 ) .